مقالات مختارة

الأردن تحت الإصلاح.. نأسف لأجلكم ونعمل لإزعاجكم

نور نيوز – كتب: مالك عثامنة

 

نهاية ثمانينات القرن الماضي، وفي ذروة سباق الحرب الباردة وذروة ترهل الاتحاد السوفييتي كدولة باتت تشققاتها وتفسخاتها واضحة، خرج زعيم الكرملين سليل الحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف بشعار “إعادة البناء – البيروسترويكا”، وفي بلاد ذلك “الصمت الفولاذي البارد” أطلق غورباتشوف أيضا شعار التحدث بصوت مرتفع – غلاسنوست.

في تلك الفترة، كان الكل يتحدث عن بيروسترويكا غورباتشوف، وسياسة إعادة البناء التي ينتهجها وقد اختارها مصطلحا بديلا عن “الإصلاح”، فالإصلاح كلمة توحي بسلبية كل ما سبق من خراب، أما إعادة البناء ففكرة محايدة لا تدين ما سبقها أصلا.

وفي تلك الفترة أيضا، انتشرت نكتة سياسية بين “السوفييت” مفادها أن سيدي الكرملين الأسبقين نيكيتا خروتشوف وجوزيف ستالين كانا في العالم الآخر يستمعان إلى كل هذا الضجيج القادم من موسكو والمتعلق بإعادة البناء “البيروسترويكا” والتحدث بصوت مرتفع “الغلاسنوست”.

خروتشوف لم يستوعب الأصوات والمفردات، فسأل ستالين:
ـ رفيق ستالين، ماذا يفعلون؟
أجاب ستالين بابتسامة صفراء: إنهم يعيدون البناء.
فرد خروتشوف باستنكار: لكن لا يوجد شيء بنيناه، فما هو الذي سيعيدون بناءه؟

تلك نكتة قاسية جدا، وما حدث في الاتحاد السوفييتي كله كان قاسيا بعد عام ١٩٨٩ وقد انهارت المنظومة الاشتراكية وستارها الحديدي.

المقاربات مع تلك النكتة، وهذا النموذج في “إعادة البناء” تصبح ظالمة ومتجنية حين يتم إسقاطها على الأردن، فالأردن على صغر حجمه ومحدودية موارده يدخل مئويته الثانية التي لم يستطع “الاتحاد السوفييتي” بكل جبروته أن يصل إلى حوافها.

والأردن، على كل ما فيه من أزمات متلاحقة وهي أزمات تملأ داخله المحلي ويزدحم بها محيطه الإقليمي ، إلا أنه ( بكل أركان دولته) معارضة وموالاة ونخب حكم ومحكومين مدرك لحجم الخراب فيه، وينادي بالإصلاح لا بإعادة البناء، أما التحدث بصوت مرتفع فإن الغلاسنوست الأردني تفوق على كل صوت مرتفع في الحديث حتى لا تجد إلا ضجيجا في كل الحوار الأردني – الأردني.

مناداة جماعية توافقت على الإصلاح، بل إن الإشاعات عن لجنة ملكية سيطلقها الملك “من جديد” للإصلاح شملت أسماء رؤساء وزراء سابقين من نفس رجال الملك الذين أطاحت بهم موجات احتجاج شعبية في السابق، أو أن حضورهم في مواقعهم الرسمية في قيادات الدولة لا يكفيهم لتقديم أوراق اعتمادهم كمصلحين، وهذا مثلا ينطبق على رئيس مجلس الأعيان الحالي، وهو رئيس وزراء أسبق، وكان أيضا قد تولى رئاسة الديوان الملكي السيد فيصل الفايز، والذي يقود -بمبادرة فردية كما يقول هو – جلسات حوار وطني يستخدم فيها أروقة وإمكانيات مجلس الأعيان الذي يترأسه.

من بين الردود الساخرة بعمق على مبادرة السيد الفايز تداول وسائل التواصل الاجتماعي تصريحاته كرئيس وزراء عام 2004 بضرورة البدء بعملية إصلاح شامل، ثم مقارنتها بتصريحاته “كرجل إصلاح ورئيس مجلس أعيان” عام 2021 بضرورة البدء بإصلاح شامل!

مبادرة السيد الفايز محاولة سياسية مكشوفة لتقديم نفسه أمام الملك “صاحب القرار” كرجل إصلاحي، وهي مبادرة كان مصدر “رسمي” قد أكد لي في اتصال سابق أنها لم تحظ برضى الملك نفسه، لكن الرجل قبل يومين استمر حتى النهاية في مبادرته “التي لم يرض عنها الملك” وقدم مخرجات “الحوار الإصلاحي” الذي قام به، وتحدث فيه مع من اختارهم ليسمعوه كمخرجات وتوصيات إلى مكتب الملك حسب ما أوردته الأنباء.

الملك – حسب مصدر رسمي آخر- لم يتلق مكتبه أي توصيات كما أوردت أخبار المواقع الأردنية، والصحافة الأردنية لم تكلف نفسها عناء السؤال عن مبادرة الفايز ومن كلفه بها (لا الملك ولا أي جهة من طرفه قامت بتكليفه)، والرجل كان – حسب صور جلسات الحوار- يجلس متحدثا من خلف صندوق زجاجي محيط به كوقاية من “الكورونا”، وهو ما يجعل المرء يفكر بالصورة كثيرا ويتخيل رمزيتها بعبث التفكير من جديد وتكرارا من داخل الصندوق!

لكن الملك يحسم أمره اليوم، ويشكل لجنة للإصلاح السياسي واسعة بأسماء ذوات محترمة ومتنوعة وثرية، ويترأس اللجنة السيد سمير الرفاعي، وهو أيضا رئيس وزراء أسبق في عهد الملك عبدالله الثاني، ووالده رئيس وزراء أسبق في عهد الملك الراحل حسين، وجده سمير الأول أيضا كان رئيس أكثر من حكومة في عهد كل من الملك عبدالله الأول والملك طلال والملك حسين رحمهم الله جميعا.

السيد سمير الرفاعي كان إلى فترة قريبة من أقرب المقربين للملك عبدالله الثاني، وقد تولى رئاسة واحدة من حكومات الملك مرتين، من عام 2009 حتى عام 2011، وقد استقال من منصبه بعد مظاهرات احتجاجية شعبية واسعة احتجاجا على سياسات حكومته الاقتصادية.

الرفاعي نفسه عام 2017، ومع موجة المطالبات الشعبية الواسعة بالإصلاح السياسي والإداري، قام بالتغريد شخصيا على حسابه في موقع تويتر بقوله إن جزء من حل الأزمات في الأردن “يتمثل بـ”خطة مارشال عربية”.

الرفاعي أيضا في تشخيصه للحل الإصلاحي استعار مصطلحات التجربة السوفييتية حين يقول في تغريدته بان “المطلوب نسخة عربية من الغلاسنوست مع البيروسترويكا بدءا من مفهوم جديد للعلاقات بين الدولة والمواطن”.

لا أفهم لماذا استعار رجل أرستقراطي ذكي تخرج من هارفارد فعلا (على عكس كل أدعياء المدرسة الهارفاردية) مصطلحات التجربة السوفييتية التي انتهت بانهيار الدولة السوفييتية، وكل المقارنات بين الحالتين مختلفة تماما بل وظالمة. كما أن الأردن ليس بحاجة إلى مفهوم جديد للعلاقات بين الدولة والمواطن!! وتلك عبارة مريبة ومضللة، فالأجدى ان يطالب دولة الرئيس المرشح لقيادة الإصلاح السياسي بلجنة واسعة الأسماء من ذوات محترمة ولها تقديرها، باستعادة مفهوم المواطنة نفسه، عبر استعادة الدولة المؤسساتية والدستورية وعدالة القانون لا غير.

على عكس الاتحاد السوفييتي وما قاله خروتشوف في النكتة القاسية، فإن في الأردن ما يمكن البناء عليه وليس إعادة بنائه، والأردن بحاجة إلى إصلاح لا إلى فك وتركيب، والبنية التحتية للدولة لا تزال متماسكة – رغم كل اليأس والتشاؤم- وهي قادرة على حمل مزيد من البناء مقابل إزالة التشوهات التي تعطل أي بناء إضافي في الدولة.

التحدث بصوت مرتفع موجود ومتوفر بكثرة في الأردن، ليس صوتا مرتفعا وحسب، بل أصوات مرتفعة ومتداخلة ومتشابكة حد الضجيج السمعي والسياسي، والكل ينادي بنفس المطالب، والكل يصرخ بها ويدعي أنه الأقدر على إنجازها، حتى باتت عملية الإصلاح السياسي في الأردن تشبه الطرفة التي تسخر من إصلاحات الطرق والشوارع بقلب كلمات اليافطة التحذيرية إلى : نأسف لأجلكم ونعمل لإزعاجكم.

مؤخرا، تعرض الأردن لأزمات حقيقية غر مسبوقة، أربكت العرش نفسه. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

لقد تعرض الأردن لأزمات عديدة وقوية في تاريخه، كان ميزته فيها أنه تخطاها بثقة وبدون ارتباكات في الدولة المتماسكة حينها على ذاتها بكل مؤسساتها.

هذه المرة، الأردن مرتبك، فالأزمات هذه المرة أطرافها قوى في الدولة نفسها.

آخرها وأمام استحقاقات الإصلاح السياسي الضرورية، تصبح أزمة شاب مغمور “وتغمره الإلتباسات في تصرفاته الشخصية” وقد وصل إلى مقعده النيابي بداية عبر قانون انتخاب ممسوخ مثل الوعي الانتخابي للناس، تصبح تلك الأزمة قادرة على توجيه الرأي العام في مكونه الشرق أردني نحو انكفاءات قبلية وعشائرية يرى فيها “شباب” بديلا آمنا عن الدولة التي غابت مؤسساتها.

تداعيات ما بعد أزمة الشاب النائب المفصول، هي الأكثر خطورة حين نقرأها اليوم.

بينما يقف الملك بكامل لباسه العسكري وبجانبه ولي عهده وأبنائه الأمراء وخلفه أركان الدولة كلهم، يحتفل بمئوية الدولة وتوزيع الأوسمة الكثيرة جدا على كل من ساهم ببناء المائة عام الأولى في كافة مراتب وتاريخ الجيش والأمن، تضج وسائل التواصل الاجتماعي بتجاذبات جدلية عصبية ومتطرفة في طروحاتها، على خلفية مشهد عودة أسير أردني – من أصل فلسطيني- وقد كانت جهود الدبلوماسية الأردنية الرسمية سبب الإفراج عنه، ليتغنى البعض بالمخيم الفلسطيني (والمخيم حالة اجتماعية أردنية بالمحصلة)، فيرى الطرف العشائري في ذلك استفزازا يدعوه للتغني بالعشيرة والهتاف للشاب المغمور” الملتبس بحالته” أحيانا، فيرد البعض بالمقابل إلى مطالبات بإلغاء اسم العشيرة من بطاقة الهوية، ليشتعل الجدل من جديد وتبدأ تراشقات التهم والتخوين والانتقاص والإلغاء.

جدل معيب ومخجل لا يقوده من عاشوا دمامل “أيلول” السبعيني، بل شباب صغير السن ورث الدمامل بكل قيحها الإقليمي ويتحدث بلغة “التفوق العشائري” غير مكترث بمفهوم الدولة وهي تدخل مئويتها الثانية، يقابله شباب “أردنيون من غرب النهر” يتبنى أدبيات خطاب منظمة التحرير الفلسطينية البائسة كبديل عن مواطنته التي لا يجدها بكامل أهليتها الدستورية في الدولة الأردنية.

بين كل هذا وذاك في ارتباكات اللقطات المتتابعة والمختلفة في المشهد نفسه، تأتيك لقطات جانبية مقابلة في الاتجاه وموازية في الجهل للقطات النائب المغمور “الملتبس بحالته”، حين يتحدث نائب مغمور آخر بانفعال وتحت قبة البرلمان حيث التشريع والرقابة الدستورية فيصرخ بأنهم مستعدون للقفز فوق الدستور من أجل الملك!

كل هذا المشهد الضاج بالتناقضات ورئيس الحكومة الأردنية يتمكن بجدارة أن يكون أول تجسيد حقيقي لجملة شعرية من أشعار محمود درويش الذي قال في حضرة الغياب:
(وقل للغياب، نقصتني، وانا حضرت لأكملك).


في الخلاصة:

فالمطلوب، ليس بيروسترويكا، وبالتاكيد لم يعد الأردنيون بحاجة إلى مزيد من الغلاسنوست، فقد فاض بهم ضجيج الجعجعة بلا أي طحن ولا طحين.

هناك فعليا ما يمكن البناء عليه، كان موجودا دوما ولا يزال حاضرا على الرف وقد غيبته صراعات مراكز القوى. الدولة والدستور والقانون.

والإصلاح يتطلب حوارا، نعم، لكن الإصلاح أيضا يحتاج إلى تراتبية واضحة في بناء فكرته. خارطة طريق واضحة تتجاوز الإنشاء والمقالات التي لا تصلح إلا لتكون سلالم تسلق وظيفية امام الملك.

الإصلاح، يتطلب إزاحة التشوهات البارزة جدا للعودة إلى الشكل الأصلي للدولة.

الإصلاح.. في الدولة يتطلب حضور مؤسسات الدولة في مكانها الطبيعي والدستوري.

وهذا كله لا يقدر عليه بطبيعة الحال والأحوال إلا رأس الدولة الذي يملك الصلاحيات أن يحمي نفسه وعرشه والدولة بأن يكون فعلا حسب الدستور” مصونا من كل تبعة ومسؤولية” لا بصلاحيات أكثر لديه، بل بإعادة صلاحيات مؤسسات الدولة وإعادة تفعيلها بوظائفها الأصلية، فيكون الملك حينها مصونا بحق من كل تبعة ومسؤولية، تلك التبعة والمسؤولية التي تراكمت وتضاعفت وتوالدت ولا تزال فترهقه وترهق العرش والدولة كلها معه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى