ناموا بسلام

نور نيوز –

رنا كواليت

ناشطة اجتماعية اردنية

لا أعلم ما هي الأسباب التي جعلت من مشهد موت الأطفال المتكرّر حالة اعتيادية. هل يا ترى انعدمت لدى الجنس البشري المشاعر والأحاسيس، أم أصبحت فاترة فلم يعد يهزّها موت أطفال في عمر الزهور، أم سببها حالة السبات التي دخلت بها الضمائر الإنسانية، أم السبب هو التكرار شبه المنتظم لهذا المشهد على اختلاف المكان والزمان والطريقة بحيث أصبح من العادي قراءة أو حتى التوقّف عند خبر حول وفاة طفل في منطقتنا العربية.
 أصبح لدى الأكثرية مناعة ضدّ الانفعال الشديد والاضطراب

أصبح لدى الأكثرية مناعة ضدّ الانفعال الشديد والاضطراب
لقد تنوّعت الأساليب التي يلاقي الأطفال فيها حتفهم بين قتل نتيجة الحروب الدموية الطاحنة، أو الغرق في أثناء خوضهم لرحلة محفوفة بالمخاطر تقودهم إلى مستقبل مجهول، وذلك لأن غريزة البقاء هي التي دفعت بوالديهم إلى التشبّث بالحياة والبحث عن مكان ينعمون به بأبسط حقوق الإنسان، وهو الأمان كحادثة الطفل الغريق الذي عُثر على جثته عند السواحل التركية والتي هزّت العالم عام 2015، في حين تجمّد آخرون حتى الموت في فترات البرد القارص في مخيمات اللاجئين، وتوفي عدد آخر نتيجة لسوء التغذية أو الرعاية الطبية المقدّمة لهم.

وإذ ترزح كل من سوريا والعراق واليمن تحت وطأة الحرب لاقى مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، من المدنيين حتفهم في حين تشرّد ملايين آخرين موزّعين بين نزوح ولجوء. وفي تقرير صادر آخر العام الماضي عن منظمة اليونيسف المعنية بحماية حقوق الأطفال والدفاع عنها عن موت طفل يمني واحد على الأقل كل عشر دقائق، في حين وصل عدد الوفيات من الأطفال السوريين منذ بدء الحرب إلى يومنا هذا ما يزيد على خمسة وخمسين ألفاً وذلك وفقاً لحالات الوفاة المسجّلة.

وهنا استذكر عندما بثّت القنوات الفضائية خبر استشهاد الطفل محمّد الدرّة ووالده في قطاع غزّة عام 2000 برصاص جنود الاحتلال والصدمة التي هزّت العالم طوال أيام لما حمله المشهد من تجريد للإنسانية. كما أذكر تبعات هذه الحادثة التي ما برحت عن ذاكرتي من صدمة وتعجّب ممزوج بفزع وانعدام النوم. وبغضّ النظر عما إذا اتّخذت بعض الدول أو مؤسسات المجتمع الدولي موقفاً صارماً تجاه هذه الحادثة، ولكنها بالتأكيد شكّلت صدمة كبيرة هزّت الضمائر الإنسانية. أما اليوم وقد أصبح مشهد القتل أمراً مألوفاً لم يعد له وقع كبير على أغلبية البشر، وكأنه أمر محتوم لا فرار منه، حيث نرى الأطفال اليوم يدفعون ثمن نزاعات وحروب هم أبرياء منها.

ويبقى القسم الآخر من أولئك الأطفال الذين شوّهت الحرب طفولتهم، فالغالبية العظمى من أطفال بلادنا العربية التي تتعرّض لنزاعات مسلّحة أصحبوا يعيشون كابوس الحرب الذي يسلبهم أبرز أهم حقوقهم وهو حق الحياة. وقد أظهرت التقارير الصادرة عن المنظمات العالمية التي تُعنى بحقوق الأطفال، بأن هنالك الملايين من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وبالتالي تفاقم الأمراض، ونقص حاد في الدواء والرعاية الطبية، كما يعاني البعض الآخر من عدم وجود مأوى، في حين يبقى عدد آخر من دون تعليم. هذا بالإضافة إلى ما يتعرّض له آخرون من تعذيب أو إهانة أو تجنيد وغيرها وما تخلّفه الحرب من صوَر عنف مستمرة ومآسٍ إنسانية تمسّ بنفسيّاتهم وبنظرتهم للحياة وتخلق فيهم كابوساً مستمراً لا يفارقهم.

بلا شكّ لقد تغيّرت تركيبة الإنسان اليوم، فلقد أصبحت الغالبية تسمع كل يوم آخر مستجدات الحروب والنزاعات وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية وتذهب إلى النوم من دون أن يرفّ لها جفن، فقد أصبح لدى الأكثرية مناعة ضدّ الانفعال الشديد والاضطراب الذي كان يُصيب البشر في الماضي عند مشاهدة أو سماع خبر دموي.

زر الذهاب إلى الأعلى