لإرضاء تركيا أم صدفة؟

نور نيوز –

واشنطن توسِّع تعاونها مع أنقرة لتعقُّب حزب العمال الكردستاني

قال مسؤولون أميركيون إنَّ الولايات المتحدة تُعزِّز جهود الاستخبارات المشتركة مع تركيا؛ لمساعدة تركيا في استهداف “الإرهابيين” بالمنطقة بشكلٍ أفضل، في محاولةٍ واضحةٍ للتخفيف من القلق التركي بعدما بدأ البنتاغون تنفيذ خطة لتسليح القوات الكردية في عملياتها داخل سوريا.

وتزيد الولايات المتحدة من قدرات ما يُعرف باسم “مركز دمج المعلومات الاستخباراتية” في أنقرة؛ لمساعدة المسؤولين الأتراك على تحديد وتعقب حزب العمال الكردستاني بشكلٍ أفضل، وهي جماعة صنفتها كلٌ من الولايات المتحدة وتركيا كجماعةٍ إرهابية، وفقاً لما جاء في تقريرٍ لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

وقال المسؤولون الأمبركيون إنَّ الخطة، التي لم تكتمل بعد، قد تُضاعف من قدرة مركز دمج المعلومات؛ إذ ستضيف المزيد من الأصول الاستخباراتية التي تُقدمها الولايات المتحدة، مثل الطائرات من دون طيار وغيرها من الإمكانات الأخرى.

ومن شأن تبادل المعلومات الاستخباراتي الموسع أن يوفي بأولوية أمنية هامة لتركيا التي تُقاتل في معركةٍ مستمرة منذ عقود ضد حزب العمال الكردستاني الذي يهدف إلى إقامة منطقة حكم ذاتي كردية يُمكن أن تشمل أجزاءً من تركيا وسوريا وإيران والعراق.

تناقض عميق

ومع ذلك، فإنَّ اتفاق الاستخبارات بين الولايات المتحدة وتركيا يُسلِّط الضوء على تناقضٍ عميقٍ في السياسة الأميركية بالشرق الأوسط. فحزب العمال الكردستاني يرتبط بعلاقاتٍ وثيقةٍ مع الجماعة الكردية في سوريا، والتي من المُقرَّر أنَّ تقوم الولايات المتحدة بتسليحها؛ إذ يقول المسؤولون الأتراك إنَّ الجماعتين متشابهتان.

ويتساءل منتقدو السياسة الأميركية، بمن فيِهم الأتراك، عن سبب تسليح الولايات المتحدة فرعاً واحداً من المجموعة في سوريا، مع تكثيف الحرب ضد فرعٍ آخر من المجموعة في العراق وتركيا!

ولا تعترف الولايات المتحدة علناً ​​بالعلاقة بين المجموعات الكردية المختلفة، على الرغم من أنَّ العديد من المسؤولين الأميركيين قد اعترفوا سراً بهذه العلاقات.

وقد ناقش مسؤولون أميركيون، منذ أكثر من عام، تسليح وحدات حماية الشعب، المجموعة الكردية التي تقوم بعملياتٍ عسكرية في سوريا، على الرغم من مخاوف تركيا.

ووافق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على خطة البنتاغون، يوم الإثنين 8 مايو/أيار 2017، لتوفير الأسلحة الصغيرة والذخائر والرشاشات لوحدات حماية الشعب لمساعدة المقاتلين الأكراد في تطويق عاصمة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في الرقة.

وعملت الولايات المتحدة طويلاً مع وحدات حماية الشعب الكردية، تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية.

وأكَّد الجيش الأميركي دوماً أنَّ تلك القوات تضم مقاتلين عرباً يُشكِّلون ما يقارب نصف إجمالي القوات ومعظم المقاتلين الموجودين قرب الرقة. لكن يُعتَبَر عموماً أنَّ وحدات حماية الشعب الكردية تمتلك أكثر المقاتلين خبرةً وتمرُّساً، وفقاً لتقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية.

ويأتي هذا الإعلان قبل أسبوعٍ من استضافة ترامب نظيره التركي رجب طيب أردوغان في واشنطن. فقد أعلن البيت الأبيض رسمياً عن زيارة أردوغان التي ستعقد في السادس عشر من مايو/أيار 2017 الجاري والتي ستسمح للزعيمين “بتعزيز العلاقات الثنائية وتعميق التعاون لمواجهة الإرهاب بأشكاله كافة”.

ويُقر المسؤولون الأتراك بأنَّهم كانوا يتوقعون قرار الولايات المتحدة بتسليح وحدات حماية الشعب ولكنَّهم يشعرون بالغضب إزاء توقيته، حسب وول ستريت جورنال.

وساد الصمت في البداية الموقف التركي من القرار، وقال مسؤولون أميركيون مطلعون على الاتصالات بين واشنطن وأنقرة إنَّهم يعتقدون أنَّ الغضب التركي سيمر.

ولكن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قال الأربعاء 10 مايو/أيار 2017، إنه يأمل أن تغير الولايات المتحدة قرارها تسليح القوات الكردية التي تحارب تنظيم داعش في سوريا بحلول موعد زيارته لواشنطن لإجراء محادثات مع الرئيس دونالد ترامب الأسبوع المقبل.

وبعد أن وافق ترامب على إمدادات الأسلحة دعماً لحملة استعادة مدينة الرقة السورية من “الدولة الإسلامية”، قال أردوغان خلال مؤتمر صحفي، إنه يريد أن يصدق أن حلفاء تركيا سينحازون إلى أنقرة وليس إلى المنظمات الإرهابية، حسب وكالة رويترز.

وفي حديثه إلى الصحفيين في ليتوانيا، قال وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، إنَّه لا يشعر بالقلق إزاء العلاقة بين البلدين، وإنَّ الولايات المتحدة وتركيا “ستبحثان أي مخاوف معاً”.

ونقلت وول ستريت جورنال عن ماتيس قوله: “سنعمل بالقرب من الجانب التركي لدعم أمن تركيا على حدودها الجنوبية… وسنبقى على اتصالٍ وثيقٍ معهم”، وأردف: “سنعمل معاً”.

ولم يذكر ماتيس صراحةً، زيادة التعاون الاستخباراتي، ولكن تعليقاته كانت مُتسقة مع توسُّع مركز دمج المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز رحلات الطائرات من دون طيار للمساعدة في استهداف حزب العمال الكردستاني.

غولن

ويُناقش المسؤولون في أنقرة كيف سيُؤثر قرار وحدات حماية الشعب على المناقشات مع البيت الأبيض حول قضايا الأمن القومي الأخرى الرئيسة لتركيا، ومن ضمنها مطلبها أنَّ تقوم الولايات المتحدة بتسليم رجل الدين التركي المُقيم بولاية بنسلفانيا عبد الله غولن والذي اتهمه أردوغان بمحاولة الإطاحة به.

ويُحاول المسؤولون الأتراك قياس مدى مقاربتهم مع الجانب الأميركي في الاجتماعات المقبلة؛ لأنَّهم يريدون تعزيز العلاقات، وليس الإضرار بها، فيما يعتبره أردوغان أهم تحالف استراتيجي له.

وتكبَّدت تركيا، خلال حربها الطويلة ضد حزب العمال الكردستاني، عشرات الآلاف من الأرواح بين المدنيين الأتراك والجيش. وتقوم الفروع الإرهابية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني بعمليات قصف ومهاجمة مواقع داخل تركيا، على نحوٍ روتيني.

مجرد صدفة

وتُستخدم مراكز الدمج في جميع أنحاء العالم للسماح للولايات المتحدة والبلدان المضيفة بالتعاون في جمع المعلومات الاستخباراتية.

وفي تركيا، تُقدِّم القوات الأميركية معلوماتٍ استخباراتية عبر الأقمار الاصطناعية وغيرها إلى الجيش التركي للسماح لهم برصد عناصر حزب العمال الكردستاني عبر الحدود التركية والعراقية الجبلية الوعرة. وهذا التعاون قائم منذ عام 2007.

ونقلت وول ستريت جورنال عن مسؤول أميركي قوله إن التحسينات التي أُدخِلَت على مركز الدمج تُعد مجرد مصادفةً، وليس لها صلةٌ مباشرة بقرار تسليح وحدات حماية الشعب.

في المقابل، تجري التحسينات لإظهار أن الولايات المتحدة جادة فيما يتعلَّق بالتهديدات الإرهابية التي تتعرَّض لها تركيا، في حين تُظهر أيضاً لأنقرة أنًّ الولايات المتحدة لا تزال حليفاً قوياً لها. وأضاف المسؤول: “هذا هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به”.

وقال المسؤولون الأميركيون السابقون، الذين كانوا على درايةٍ بهذه المحادثات، إنَّ التوقيت قد يكون من قبيل المصادفة، بيد أنَّ التوسع الاستخباراتي كان جزءاً من المباحثات التي أجرتها الولايات المتحدة مع الأتراك.

وتقول تركيا إنَّ حزب العمال الكردستاني قد شحذ تكتيكاته العسكرية بمساعدة المقاتلين الأكراد ذوي الخبرة في الحرب السورية.

وعاد بعض هؤلاء المقاتلين إلى تركيا بأساليبٍ جديدةٍ وكذا الأسلحة، حسبما ذكر مسؤولون عسكريون واستخباراتيون أتراك.

ويُعد من الصعب التحقُّق بشكلٍ مستقلٍ من مدى صحة الإصرار التركي حول تعاون وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، فإنَّ المقاتلين الأكراد من دول مختلفة، ومن ضمنها تركيا وإيران والعراق، قد شاركوا بأدوارٍ في المناطق الكردية السورية المستقلة التي تُسيطر عليها وحدات حماية الشعب وذراعها السياسية، حزب الاتحاد الديمقراطي.

زر الذهاب إلى الأعلى