شبح “ووترغيت” يلاحق الرئيس الأميركي

هل يتورط ترامب في فضيحة كبرى؟.. شبح “ووترغيت” يلاحق الرئيس الأميركي بعد إقالته مدير الـFBI

نور نيوز –

هل أصبحت الولايات المتحدة على شفا فضيحة تاريخية جديدة مماثلة لفضيحة “ووترغيت” الشهيرة التي أطاحت بالرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون في سبعينات القرن العشرين؟

فقد أثار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عاصفة سياسية بإقالته مدير مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي)، جيمس كومي، الذي كان يقود التحقيق الذي تجريه وكالته في مزاعم التدخل الروسي في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية العام الماضي والتواطؤ المحتمل للروس مع حملة ترامب، حسب تقرير لوكالة رويترز.

والمفارقة أن ترامب حاول تبرير إقالة كومي بدعوى ارتكابه خطأ في طريقة تعامله في التحقيق مع منافسته هيلاري كلينتون، وهو التحقيق الذي يُعتقد أنه كان أحد عوامل فوز ترامب بعد أن تمت إعادة فتحه قبل الانتخابات الرئاسية بأيام.

الديمقراطيون مذهولون

وصدم قرار إقالة كومي أعضاء كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري، الذين رأوه تصرفاً وقحاً، وسيؤجج حتماً من حدة التحقيق المتفجِّر سياسياً بالفعل. ومع كل الأفعال غير التقليدية التي أقدم عليها ترامب خلال الشهور الأربعة الماضية من فترة رئاسته، لا يزال قادراً على إثارة الذهول، ففكرة إقالة رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي في أثناء تحقيق كهذا تتجاوز كل الحدود المعقولة، وفقاً لما جاء في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وكان العديد من الجمهوريين قد أصدروا تصريحات حذرة، لكن القليل منهم عَبَّرَ عن شكوكٍ حول إقالة كومي، مطالبين بتحقيق خاص يجريه الكونغرس أو هيئة تحقيقٍ مستقلة تتولى التحقيق بدلاً من لجان الاستخبارات بمجلسي النواب والشيوخ، والتي تحقق الآن في شأن التدخل الروسي.

أما الديمقراطيون، فقد نددوا بتحرُّك ترامب وشبهه البعض بـ”مذبحة ليل السبت” عام 1973 التي أقال فيها الرئيس ريتشارد نيكسون مدَّعِياً خاصاً مستقلاً يحقق في فضيحة “ووترغيت”.

وقال جون كونيرز، العضو الديمقراطي البارز في لجنة الشؤون القضائية بمجلس النواب: “الإجراء الذي اتخذه الرئيس ترامب اليوم يزيل تماماً أي مظهر من مظاهر التحقيق المستقل بشأن المحاولات الروسية للتأثير على انتخاباتنا ويضع أمتنا على شفا أزمة دستورية”.

وجدد كونيرز وديمقراطيون آخرون دعوتهم لتولي لجنة مستقلة أو مدّعٍ خاص التحقيق في التأثير الروسي في انتخابات 2016.

من أجل عيون هيلاري

ودافع ترامب عن خطوته، التي كان لها وقع الصدمة في واشنطن، حيث قال إن قرار الإقالة جاء نتيجة للطريقة التي تعامل بها كومي مع فضيحة تتعلق برسائل إلكترونية شملت المرشحة الديمقراطية للرئاسة في ذلك الوقت هيلاري كلينتون؛ في المقابل سارع الديمقراطيون باتهام ترامب بوجود دوافع سياسية وراء قراره إقالة كومي.

واعتبرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن ترامب حين أقال جيمس براين كومي، بهذا الشكل الدراماتيكي، قد أقال الشخص الذي كان له الفضل في فوزه بالرئاسة، والذي ربما كان نفسه أكبر تهديد لمستقبل رئاسته.

ولفتت إلى أنه منذ فضيحة “ووترغيت” لم يقم أي رئيس بإقالة محقق يقود تحقيقاً ضده، لكن قرار ترامب الذي أصدره في وقت متأخر من عصر الثلاثاء 9 مايو/أيار استدعى مقارنته بـ”مذبحة مساء السبت” التي جرت أحداثها في أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين أمر الرئيس ريتشارد نيكسون بإقالة آرشيبيلد كوكس، المدعي الخاص الذي كان يُحقِّق فيما سمي باتهامات السطو من الدرجة الثالثة، والتي أطاحت بنيكسون في نهاية الأمر.

واعتبرت الصحيفة أنه لا يمكن تجنّب مقارنة الأحداث الجارية في واشنطن حالياً بفضيحة “ووترغيت”، فحين استدعى المدعي الخاص، كوكس، الرئيس نيكسون للتحقيق معه بخصوص نسخ عن أشرطة المراقبة بالبيت الأبيض، أمر نيكسون بإقالته، فرفض النائب العام في ذلك الوقت إليوت ريتشاردسون، ووكيله ويليام روكيلشاس تنفيذ الإقالة، وقدما استقالتهما، لكن المسؤول الثالث في وزارة العدل، المحامي العام روبرت اتش بروك، رضخ للأمر وأقال كوكس.

ويرى الديمقراطيون تشابهاً بين الحالتين. ويقول العضو الديمقراطي بمجلس الشيوخ عن ولاية بنسلفانيا، بوب كيسي، في تصريحٍ له: “هذا تصرُّف نيكسوني”.

وصرح العضو الديمقراطي عن ولاية كونيكتيكت، ريتشارد بلومنثال، قائلاً: “لم يحدث منذ (ووترغيت) أن تعرَّضَ نظامنا القضائي للتهديد واهتزت ثقتنا باستقلالية ونزاهة هذه المؤسسة بهذا الشكل”.

روسيا

وأشارت نيويورك تايمز إلى أنه في خطاب الإقالة الذي أصدره بحق رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، حرص ترامب على الإشارة إلى أن كومي أخبره 3 مرات بأنه ليس موضع تحقيق، متبعاً أسلوبه الاستباقي في إنكار أن لأفعاله مصالح شخصية.

لكن الصحيفة رأت أن كومي لديه الكثير على المحك، بالنظر إلى أنه كان قد صرَّح بأن المكتب يحقِّق في مزاعم تدخُّل روسيا في انتخابات الرئاسة العام الماضي، 2016، وما إذا كان أحد القائمين على حملة ترامب قد تعاون مع موسكو.

وأثار كومي الجدل بشأن موقفه من تحقيق في استخدام كلينتون بريدها الإلكتروني الخاص خلال عملها وزيرة للخارجية.

وسبق أن انتقد ترامب مدير مكتب “إف بي آي”؛ لعدم ملاحقة كلينتون قضائياً، في يوليو/تموز 2016، لكنه كال له المديح لاحقاً.

وقال كومي في يوليو/تموز 2016، إن قضية البريد الإلكتروني الخاص بكلينتون يجب إغلاقها من دون ملاحقة قضائية، لكنه أعلن قبل 11 يوماً من انتخابات الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني أنه أعاد فتح التحقيق؛ لاكتشاف مجموعة جديدة من الرسائل الإلكترونية المتعلقة بها.

وأعربت كلينتون وديمقراطيون آخرون عن اعتقادهم أن قرار كومي أسهم في خسارتها للانتخابات.

 

لماذا توقَّع ترامب أن الديمقراطيين سيؤيدون قراره؟

 

وترى نيويورك تايمز أنه يبدو أن ترامب اعتقد أن الديمقراطيين يكرهون كومي، بسبب ما فعله العام الماضي 2016 في أثناء التحقيق مع هيلاري كلينتون، حين أصر على الاطلاع على بريدها الإلكتروني الشخصي، لذا اعتقد ترامب أنهم سيؤيدون قرار عزله له، أو على الأقل سيغضُّون الطرف عنه، لكنه، إن كان فعل، فقد أخطأ تقدير الأمر؛ إذ سرعان ما أدان الديمقراطيون القرار، وطالبوا بإعادة تعيينه؛ لضمان بقاء تحقيق التدخل الروسي مستقلاً عن الرئيس.

ولفتت الصحيفة إلى غرابة ادعاء ترامب أن إقالته لكومي جاءت على خلفية تعامله مع التحقيق في البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، في حين أن ترامب كان قد تعهَّد في أثناء الانتخابات بسجن هيلاري إذا فاز هو بالرئاسة!

وقال مدير حملة هيلاري الانتخابية، جون بوديستا، في مقابلة صحفية: “إنه لمن السذاجة تصديق أن ترامب قد أقال جيمس كومي بسبب الطريقة التي تعامل بها مع بريد هيلاري كلينتون الإلكتروني، لقد حان الوقت الآن أكثر من أي وقت سبق، لإجراء تحقيق مستقل”.

وحسب نيويورك تايمز، فقد أثار القرار شكوكاً حول ترامب بأن لديه ما يخفيه، وقد يضر علاقته بمؤيديه من الجمهوريين، الذين ربما يشعرون بالقلق إزاء الدفاع عنه فيما لا يعرفون جميع الحقائق.

 

رسالة ترامب لكومي

 

وكانت فترة رئاسة كومي لمكتب التحقيقات الفيدرالي، ستستمر حتى سبتمبر/أيلول 2023 .
وقال ترامب في رسالة إلى كومي نشرها البيت الأبيض: “من الضروري أن نجد زعامة جديدة لمكتب التحقيقات الاتحادي تستعيد الثقة العامة في مهمتها الحيوية لإنفاذ القانون”.

وأبلغ ترامب كومي في الرسالة، أنه قبِل توصية وزير العدل، جيف سيشنز، بأنه لم يعد يمثل قيادة فعالة.
وأصدر البيت الأبيض مذكرة لنائب وزير العدل، رود روزنشتاين، حملت تبرير الإدارة لإقالة كومي.
وكتب روزنشتاين: “لا أستطيع الدفاع عن تعامل المدير مع ما خلص إليه التحقيق في الرسائل الإلكترونية للوزيرة كلينتون ولا أفهم رفضه قبول الحكم بأنه أخطأ”.

 

هل سيتم وقف التحقيق؟

 

وحث السيناتور الديمقراطي ويب ديك دوربين، البيت الأبيض على توضيح ما إذا كان التحقيق الذي يجريه مكتب التحقيقات الاتحادي في التدخل الروسي في الحملة الرئاسية سيستمر بعد إقالة كومي.

وقال: “أي محاولة لوقف أو تقويض تحقيق مكتب التحقيقات الاتحادي سيثير قضايا دستورية خطيرة. ننتظر توضيحاً من البيت الأبيض في أسرع وقت ممكن بخصوص ما إذا كان التحقيق سيستمر”.

وقد يؤول اختيار خليفة لكومي إلى صراعٍ محتدم؛ إذ إن أي شخص سيرشحه ترامب سيصبح على الفور محل شبهات.

من جهتهم، يزعم المدافعون عن القرار أنه لن يؤثر على سير التحقيق، الذي يستكمله محققون آخرون، يقول كين كوتشينيللي، النائب العام السابق بولاية فيرجينيا، والموالي لترامب، لشبكة سي إن إن الإخبارية الأميركية: “هذا لن يوقف أي شيء، وفكرة أن هذا القرار سيوقف تحقيقاً سارياً مضحكة”.

 

هل هناك سوابق لمثل هذا التصرف؟

 

أشار تقرير نيويورك تايمز إلى أنه لطالما تجنب الرؤساء فكرة الصدام بمكتب التحقيقات الفيدرالي منذ فضيحة “ووترغيت”، مهما كانوا مستائين منه.

الاستثناء الوحيد كان حين أقالَ الرئيس بيل كلينتون، رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي آنذاك ويليام سيشنز عام 1993، بعد أن تصاعدت مآخذ أخلاقية حول سيشنز، واتُهِمَ بالتسييس، ليصير خليفته الذي عيَّنه كلينتون لويس جاي فري مصدر إزعاج أكبر له، حين تشارك مع المحقق المستقل كينيث وينستون ستار التحقيق معه، لكن كلينتون لم يخاطر بمواجهة العقبات التي كانت ستحدث في حالة إقالته لفري.

ولفتت إلى أنه في أزمة أخرى، هدد روبرت ميلر جورج بوش الابن بالاستقالة من رئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي، في حالة إعادة التصريح ببرنامج مراقبة سري كان قد اعتبره غير قانوني، وقتها تراجع بوش عن القرار، تجنباً للفضيحة، ونقّح مشروع قانون المراقبة بشكل يسمح بتمريره.

وتنقل نيويورك تايمز عن تيموثي نافتالي، المدير السابق بمكتبة نيكسون، قوله إن قرار الرئيس ترامب لا يشبه تماماً أحداث مذبحة ليلة السبت، فجيمس كومي كان مديرا للـ”إف بي آي”، فهو لم يُعيَّن تحديداً من أجل التحقيق في شأن انتخابات 2016 كما حدث مع المحقق الذي عزله نيكسون.

وبناء على ذلك، يقول نافتالي: “بوجود كومي أو من دونه سيستمر مكتب التحقيقات الفيدرالي في التحقيق في انتخابات 2016؛ لأنها متعلقة بتدخل روسي، وهذا خطأ آخر؛ إذ طالما لم يقدم النائب العام سيشنز دليلاً على وجود مخالفة، أو إهمال جسيم من قِبل كومي، فإن توقيت هذا الإجراء يعمِّق الشبهات أكثر حول وجود شيءٍ ما يحاول الرئيس ترامب إخفاءه”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى